السيد كمال الحيدري
322
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
الرَّحْمنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ « 1 » . نقرأ في تفسير الآيتين : « فقد أشير في الآيتين إلى أنّ النظام الجاري في الكون نظام واحد متّصل الأجزاء مرتبط الأبعاض » « 2 » . ثمّ وإمعاناً في الإيضاح : « فالمراد بنفي التفاوت اتّصال التدبير وارتباط الأشياء بعضها ببعض من حيث الغايات والمنافع المترتّبة على تفاعل بعضها في بعض . فاصطكاك الأسباب المختلفة في الخلقة وتنازعها ، كتشاجر كفّتى الميزان وتصارعهما بالثقل والخفّة والارتفاع والانخفاض . فإنّهما في عين أنّهما تختلفان ، تتّفقان في إعانة من بيده الميزان فيما يريده من تشخيص وزن السلعة الموزونة » « 3 » . من الواضح أنّ مفسّرنا ساق مثال « الميزان » درءاً لإشكال قد يذهب إلى أنّ واقع التضادّ والتزاحم الموجود في العالم المادّى يقود إلى وقوع الفساد ، خاصّة وأنّ هذا التنازع والتزاحم والتضادّ هو ممّا يلازم عالم المادّة . فما أراده بالمثال ، أنّ هذا التزاحم هو من النوع الذي يقود إلى التكامل في عالم المادّة ، ويفضى إلى إخراج الأشياء من القوّة إلى الفعل ، والعلل والأسباب بأجمعها وبما يتخلّلها من روابط وأواصر تنتهى إلى الواجب بالذات ، مدبّر الكون ربّ العالمين . ما يؤيّد هذا الاستنتاج ويعضده الفقرة التالية التي جاءت بعد الفقرة السابقة مباشرة ، حيث أردف قائلًا : « فقد رتّب الله أجزاء الخلقة بحيث تؤدّى إلى مقاصدها من غير أن يفوّت بعضها غرض بعض أو يفوت من بعضها الوصف اللازم فيه لحصول الغاية المطلوبة » « 4 » .
--> ( 1 ) الملك : 4 3 . ( 2 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق ، ج 19 ، ص 351 . ( 3 ) المصدر السابق ، ص 350 . ( 4 ) المصدر السابق ، ص 350 .